الصفحة الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جابحـثالتسجيلدخول
ارسل الموضوع الجديد   رد على الموضوع
 

تأملات تربوية في سورة يوسف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
Admin



سجّل في : 20 نوفمبر 2007
عدد المساهمات : 578

مُساهمةموضوع: تأملات تربوية في سورة يوسف   الأربعاء مارس 26, 2008 7:19 am










تأملات تربوية في سورة يوسف









1- أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمعاملة الخدم والعبيد معاملة إنسانية طيبة ، فهم بشر مثلنا ، لهم أحاسيس ومشاعر، يسعدون للكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة ، ويألمون للكلمة السيئة وسوء المعاملة بل إن النبي صلى الله علية وسلم أمرنا باللطف في نداء الخادم والحديث عنه فقال : "لا يقل أحدكم عبدي وأمتي ولا يقولن المملوك ربي وربتي وليقل المالك فتاي وفتاتي وليقل المملوك سيدي وسيدتي فإنكم المملوكون والرب الله عز وجل " فيدعو المالكُ مملوكه بـ : يا فتى ، وينادي المملوك ُمالكه : سيدي . كما أُمرنا أن لا نتميّز عنهم بطعام أو لباس " من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموهم مما تأكلون ، واكسوهم مما تلبسون ومن لم يلائمكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله " .

ونرى العزيز الذي اشترى يوسف عليه السلام عاقلاً يأمر زوجته ان تحسن إليه ، فقد يرد إليهما الإحسان إحساناً حين يكبر في دلهما إياه وحسن تصرفهما إزاءه ، وقد يتبنيانه إذا رأيا فيه الصلاح والنجابة " وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته : أكرمي مثواه ، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً " وهكذا هيأ الله تعالى ليوسف الحياة الطيبة مع هذا الرجل الأريب الذي ظهر لنا رجاحة عقله في أمور منها ماقاله آنفاً في الإحسان إلى يوسف ، وحين تبين له خطأ زوجته وانكشاف أمرها ، فعقـّب " إنه من كيدكنّ ، إن كيدكنّ عظيم " وحين طلب إلى يوسف أن يتجاوز الأمر ويتناساه فلا ينبغي أن يخرج الخبر إلى حيّز الإحراج والنيل من هيبة العزيز ، فأوحى بكلمة ( أعرض ) إلى صدق يوسف إذ لم يتهمه ، إنما طلب إليه بتعطف أن يتجاوز الأمر . كما وبخ المرأة وطلب منها الاستغفار لخطئها العظيم ، حين جعلها من ( الخاطئين ) لا الخاطئات فقط ، وهذا دليل على استعظامه الأمر وقوة توبيخه إياها " يوسفُ أعرض عن هذا ، واستغفري لذنبك ، إنك كنت من الخاطئين " كما أن كلمة ( الخاطئين ) توحي بأن الزنا ذنب كبير وفاحشة عظيمة ، أفعله الذكور أم الإناث .

2- أعتقد أن في الآيات ما يؤكد أن يوسف الشاب لم يهم بها كما همّت به لأسباب ذكرت في معرض القصة تؤكد ذلك ، منها : أ- أنه الله تعالى وهبه حكمة تمنعه من السفاهة وعلماً بالحلال والحرام ، رفعه إلى رتبة الإحسان " ولما بلغ أشدّه آتيناه حكمة وعلماً وكذلك نجزي المحسنين " فالحكمة والعلم الحقيقيان حصن من الزلل، وأما الإحسان فأن تعبد الله كأنك تراه ، ومن كان يرى الله بقلبه وحاز الحكمة والعلم لم يهمّ ،

ب- إذا أراد الله بالإنسان خيراً صرفه عن السوء والفحشاء ، فكيف إذا صرف الله تعالى السوء والفحشاء عن الإنسان؟! إنه إذاً لكريم على الله كثيراً

ج- والمسلم السعيد يخلص لله في العبادة والالتزام ، حتى يصير مخلِصاً – ( اسم فاعل ) فإذا أخلص لله جعله الله من المخلَصين . فكيف إذا جعله الله ابتداءً مخلـَصاً ( اسم مفعول ) إنه لفضل عظيم من الله تعالى .

د- ولولا تفيد امتناع حصول الشيء لوجود مضادِّه ، فلولا رؤية برهان ربه لهمّ بها ، فامتنع الهم لرؤية يوسف عليه السلام برهانَ ربه .

" ولقد همّت به . وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه ، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلـَصين "

هـ- واستباقهما الباب ، هي تلحق به لتمنعه من الخروج ، وهو يريد الهرب بنفسه ، فقدّت قميصه من دبر دليل على عدم الهم بها .

3- ويكون إصدار الحكم الصحيح بعد المعاينة ، ولا يجوز للعواطف والانفعالات أن تؤثر في القاضي النزيه ، فالمرأة حين خافت على نفسها الفضيحة أمام زوجها أسرعت بالدافع الأنثوي السريع ( والهجوم خير وسيلة للدفاع ) تتهم يوسف بالرغبة في الفحشاء وسوء الأدب وأنه لم يراع حرمة من آواه وأحسن إليه فحاول هتك عرضه وشرفه ، ثم تسارع إلى اقتراح العقوبة المناسبة : إما السجن أو العذاب . كما أنها لخبثها ودهائها أقرت العقوبة بطريقة الاستفهام " ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يُسجن أوعذاب أليم ؟ "

وعلى المتهم البريء أن يدافع عن نفسه ، ولا يتخاذل أمام جبروت الظالم مهما كان الظالم ذا مكانة اجتماعية تفوقه ، أو له دلّ على المتهم ، فالحق يجب أن يظهر ، ومقارعة البهتان والظلم واجبة " قال : هي راودَتـْني عن نفسي " فلا بد إذاً من البينة التي تحق الحق وتبطل الباطل . وقد ظهرت البينة بتمزيق قميصه من الخلف ، أمسكت المرأة بقميصه بقوة تستبقيه وهو يسرع هارباً ، فتمزق من الخلف ، ولو كان يريدها وهي تأبى لتمزق القميص من الأمام .

4- القميص أمره عجيب ، وعليه دارت رحى القصة :

فقميصه (الأول) الذي حمله إخوته إلى أبيهم لم يكن ممزقاً ، فكشف كذبهم

وعرّاهم وبين تآمرهم .

وقميصه (الثاني )الذي مزّقته امرأة العزيز من الخلف برّأه بإذن الله وكشف

دعوى المرأة الكاذبة .

وقميصه (الثالث) الذي حمله أحد إخوته إلى أبيه كان – بإذن الله- سبب عودة

البصر إلى أبيه ، وقدوم الجميع إلى مصر ليلتئم الشمل .

5- لم تستنكر نساء الذوات أن تعشق المرأة منهن شاباً تقطف معه الثمرة المحرمة ، فهذا – في المجتمع الكافر – أمر عادي . إنما كان استنكارهن أن تتهاوى امرأة العزيز أمام خادم تملكه ، ومتى كانت نساء الطبقة الراقية يتعلقن بعبيدهنّ ، لقد أخطأت –إذاً – خطأ كبيراً ، وضلت ضلالاً بعيداً ... ولاكت ألسنتهنّ تعلقها بيوسف ، وافتضاح أمرها بينهن فصارت قصتهما مثار التفكه والتندّر . وأرادت ان ترغمهن وتقطع ألسنتهنّ ، فدعتهنّ إلى قصرها واستقبلتهنّ استقبالاً كريماً وقدمت لهن مالذ وطاب من جنيّ الفاكهة ، فلما انشغلن بذلك أمرت يوسف أن يدخل عليهنّ ، فلما رأين هذا الجمال الأخّاذ سحرهنّ وأخذ بألبابهنّ ، وطغى عليهن بهاؤه فجرحن أيديهنَ بالسكاكين دون أن يشعرن ، " وقلن حاشَ لله ، ما هذا بشراً ، إن هذا إلا ملك كريم "

وهنا تغتنم امرأة العزيز الفرصة لتقول : إنكنّ رأيتنّه مرة واحدة فملك عقولكنّ وبهركنّ حسنه ، فلِمَ تلمنني فيه وهو بين يديّ كل صباح ومساء ، فأذوب في حبه ، وأحلم ليلي ونهاري بوصاله . ثم تجترئ – أمام تهافتهنّ -على طلب الفاحشة والإصرار عليها ، ويشاركنها بذلك فيطلبن منه ما طلبت . وزادت فحشاً حين هددته كرة أخرى بالسجن إن استعصم ، وأبى ، فينضممن إليها ويسألنه ذلك ، والدليل على ذلك قوله " وإلا تصرفْ عني كيدهن أصْبُ إليهنّ وأكنْ من الجاهلين " وقوله في تحقق الملك منهنّ حين سألهنّ : " ما خطبكنّ إذ راودْتُنّ يوسف عن نفسه ؟"

6- ويتعلق يوسف عليه السلام بحبل من الله قوي ، ويسأله السلامة من الفاحشة ، وأن يصرف عنه كيدهنّ ، وينجيه منهن ومن فسادهنّ ، فينقذه الله تعالى مما هو فيه .

وليس للمؤمن من عياذ إلا بالله ولا ملجأ إلا إليه ، ولا اعتماد إلا عليه . فهو – سبحانه –

الحصن الحصين والملجأ الأمين . إلا أن يوسف وهو تحت ضغط التهديد بارتكاب الفاحشة أوالسجن ، قال : " ربّ ؛ السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه .." ولم يختر النجاة منهما جميعاً: وَقد حُكِيَ أَنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلام لَمَّا قَالَ : " رب السِّجْن أَحَبّ إِلَيَّ " أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ " يَا يُوسُف ! أَنْتَ حَبَسْت نَفْسك حَيْثُ قُلْت السِّجْن أَحَبّ إِلَيَّ , وَلَوْ قُلْت الْعَافِيَة أَحَبّ إِلَيَّ لَعُوفِيت " . فعلى المسلم أن يسأل الله تعالى العافية والنجاة من كل بلاء . " إنه هو السميع العليم "

7- مما يتألم له الإنسان الحر أن المفسدين المتنفذين غالباً ما يضحون بالأبرياء ليتخلصوا من آثار مفاسدهم ومخازيهم . إننا لنشم رائحة فجور النساء ينضم إلى صفاقة امرأة العزيز ، فيملأ خياشيم الرجال بنـَتـْن خطيئاتهنّ ، ولا يرى هؤلاء لوأد هذه الفضيحة سوى تغييب الضحية البريئة في أحد السجون فترة من الزمن فتنساه النساء أو تتناساه ، ولا يرين إليه سبيلاً فييئسن منه . وهكذا يدفع الطاهر العفيف ثمن طهره وعفافه ، سجناً وألماً وغصة ، نرى هذا في عالمنا السياسي حيث يُلقى الحر في السجون والمعتقلات ، أو يحكم عليه بالموت لأنه أبى الدنية ورفض الذل والتمرغ في أوحال الخيانة والعمالة ، وفي حياتنا الاقتصادية ،إذ يتسنم المسؤولية حيتان المال ، يذللون القوانين لتكديسه في أرصدتهم، ويتخمون به على حساب الفقراء الذين لا يجدون ما يسد رمقهم . فإذا زكمت رائحتهم الأنوف وانكشف أمرهم تنصلوا من المسؤولية ودفعوا صغار عملائهم ضحايا لصوصيتهم ...

8- يغتنم الداعية الفرص السانحة لإيصال دعوته للناس ، ويستمر في أداء مهمته في كل الظروف والأحوال . فيوسف عليه السلام كان داعية فيمن حوله حين كان حراً يتنقل بين القصور وفي الأسواق والتجمعات ، ولا يتوقف عن هذا حين يدخل السجن ، فيخدم هذا ويساعد هذا، ويخفف الأسى عن ذاك . حتى لقب بيوسف الصديق وعرف بالإحسان بين المسجونين...يسألونه ويستشيرونه ، ويستفتونه ، وهو يدعوهم إلى عبادة الله ويجيبهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً .

يسأله فـَتـَيان عن رؤياهما ، ويجلسان بين يديه ينتظران التأويل ، فيعرض عليهما الإيمان بالله الواحد ونبذ الشرك ، وأن علمه الذي ينشره بن الناس من فضل الله تعالى الواحد الأحد، ويعرّفهم على سبيل الصالحين قبله .

ولا بد من سلوك سبيل الإقناع في الدعوة ، وهذا ما فعله يوسف عليه السلام الداعية الذكي ، إذ بدأ يقارن بين الصواب وإيجابياته والخطأ وسلبياته ، " أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار " وينتقل إلى الحديث عن فساد الكون لوكان فيه أكثر من إله " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " ويطنب في الحديث لأن الفتيين خاليا الذهن مما يقول فلا بد من تفصيل الفكرة والإسهاب فيها ، فيقول : بنجم الفساد عن تنافس الشركاء ، وتفرقهم بعد الخصام ، ولعل بعضهم أقوى من بعض فيعلو القوي على من هو أضعف منه " إذاً لذهب كل إله بما خلق ، ولعلا بعضهم على بعض ..."

فإذا ما دعاهم إلى الإيمان بالله الواحد والتسليم له سبحانه يعرض لما يسألون ويوضح لهم ما يستفتون .

9- ولعل يوسف عليه السلام حين قال للساقي الذي نجا وعاد إلى خدمة الملك " اذكرني عند ربك " وبين له أن في السجن مظلوماً لم يرتكب ذنباً . ولعل هذا القول من يوسف في بسط القول ، والبحث عن الحق ، فكانت العقوبة لسيدنا يوسف حين توسط للمخلوق بالمخلوق ( توسط للملك بالساقي ) فأنسى الشيطان الساقي ما طلبه يوسف عليه السلام منه ،

ولم أرتح لمن قال : إن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله واللجوء إليه ، فليس للشيطان سبيل على الأنبياء .. إنه اجتهاد من يوسف أخطأه حين التمس النصرة من البشر ، فلبث في السجن سبع سنوات " فأنساه الشيطان ذكر ربه ، فلبث في السجن بضع سنين " .

10 – من الأدب في إبداء الرأي أن الملك حين رأى سبع بقرات هزيلة تأكل سبع بقرات سمان ، وسبع سنابل يابسات تأكل سبع سنابل خضراستفتى العارفين وأصحاب المشورة فقال : " يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي " . وهذا يذكرنا بقول بلقيس : " يا أيها الملأ أفتوني في أمري " فماذا كان من أهل العلم والمشورة؟

أ- اعترفوا بعدم العلم ، وهذا عين الصواب ، فما ينبغي لأحد أن يفتي بغير علم .

ب- لكنْ لابد من إبداء الرأي ، فقالوا " أضغاث أحلام " .

جـ- ولم يدّعوا أنْ لا تأويل لها ، ولعلهم أرادوا محوها من نفس الملك كي لا ينشغل بها .

د- بعض الناس قالوا : إن الرؤيا أول ما تعبّر ، وليس صحيحاً ، فبعد أن قالوا : أضغاث

أحلام أوّلها يوسفُ عليه السلام .




عدل سابقا من قبل Admin في الأربعاء مارس 26, 2008 7:22 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Admin
Admin
Admin



سجّل في : 20 نوفمبر 2007
عدد المساهمات : 578

مُساهمةموضوع: رد: تأملات تربوية في سورة يوسف   الأربعاء مارس 26, 2008 7:19 am





11- ومن الأدب كذلك أن تعرف حق العلماء من التوقير والاحترام ، وهذا ما رأيناه عند الساقي حين التقى يوسف عليه السلام في السجن فكلمه بـ " يوسف أيها الصدّيق " ، إن إكرام العلماء من إكرام العلم . وقد نرى في قول الساقي " لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون " أن من معاني يعلمون " التعبيرللرؤيا ، فيعلمون قدر يوسف ، فيبحثون أمره وينصفونه " .

12- الكرامة والعزة من صفات المسلم ... طلب الملك رؤية يوسف ، بل أمر بإخراجه من السجن وقال : " إيتوني به " وكان ليوسف أن يخرج من السجن فقد جاءته الفرصة السانحة . إلا أنه دخل السجن بتهمة شنيعة هو بريء منها ، ولن يخرج بعفو أحد ولوكان الملكَ . إنه يريد أن يخرج طاهراً عفيفاً بريئاً من كل تهمة شائنة . وتعجب الملك والناس ... ووقر في نفوسهم أن الرجل صادق ، فلا بد من البحث عن حقيقة سجنه وتعترف النساء بعد سبع سنين بالحقيقة " قلن حاشَ لله ، ما علمنا عليه من سوء " وأقرت امرأة العزيز بذنبها ، وشهدت بصدق يوسف عليه السلام " قالت امرأة العزيز : الآن حصحص الحق ، أنا راودته عن نفسه ، وإنه لمن الصادقين " فيرتفع صوت الصدّيق يوسف وهو في السجن معلناً أنه الأمين الذي لم يخن من رباه وأمنه على عرضه وماله " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ، وان الله لا يهدي كيد الخائنين " وهنا يأمر الملك بإحضاره ليجعله مستشاره الشخصي " إيتوني به أستخلصْه لنفسي " فزاد على الجملة الأولى " أستخلصه لنفسي "

ولما مثل بين يديه اختبره ، فكلمه ، فأعجب به فقربه إليه " فلما كلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين " المكين في مكانته ومنزلته ، الأمين في مشورته ورأيه .

13- هل يجوز للمسلم أن يطلب الإمارة ؟ فهو إما أن يكون أهلاً لها أو لايكون ...

فإن لم يكن أهلاً لها فهو خائن لله ولرسوله وللمؤمنين يريد ان يتبوّأ عملاً ، فيفسده .

وإن كان أهلاً لها وطلبها فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي موسى الأشعري : " لا نستعمل على عملنا من أراده " وقال لعبد الرحمن بن سمرة " يا عبد الرحمن ؛ لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتَها عن مسألة وكلْتَ إليها ، وإن أُعطيتَها عن غير مسألة أُعنتَ عليها " وكان أبو موسى الأشعري من أهلها إذ كان أميراً على الكوفة لعمر رضي الله عنهما .

أما يوسف عليه السلام فقد قال للملك :" اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " لأسباب منها : أ- أنه نبي ، والنبي قائد وأسوة ومعلم ، وهو أولى الناس بتحمل المسؤولية .

ب- أنه المسلم الأول في مصر وليس هناك غيره يفعل فعله .

جـ - أنه صاحب التأويل ، وهو أولى الناس بتنفيذ ما أوّله ... والله أعلم .

ومع ذلك لاننسَ قول النبي صلى الله عليه وسلم " رحم الله أخي يوسف ، لو لم يقل : اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ، ولكنْ أخّر ذلك عنه سنة "

عن القرطبي في تفسيره

1- " وجاء إخوة يوسف ، فدخلوا عليه ، فعرفهم ، وهم له منكرون " . لا شك أنه عرفهم فهم رجال ، قد اكتمل نموهم حين ألقوه في الجب ، ولم يتغيروا كثيراً بعد ثلاثة عقود ، كما أنهم جاءوا معاً وعددهم عشرة ، يتكلمون العبرية – لسانَ اليهود – وكل هذا ملفت للنظر ، كما أنه يتوقع مجيئهم . أما يوسف فقد كان صغيراً ، وتغيرت ملامحه كثيراً حين اكتملت رجولته ، فلن يعرفوه ، كما أنهم اعتقدوا موته ، وانتهى أمره عندهم ، وما عادوا يفكرون فيه ، ولم يكونوا – لو أخذته قافلة - يتصورون أين سينتهي به المطاف لو بقي حياً ، ولئن استقر به المقام في مصر ، فلن يكون سوى عبد ذليل وخادم لايؤبه له ، ولن يخطر ببالهم أنه الوزير المتنفذ الذي بيده هذا السلطان كله ، وأن الله تعالى مكن له في الأرض ، فبات يُشار إليه بالبنان ، ويقصده الناس من قريب وبعيد كما يفعلون الآن .

ويكرمهم يوسف عليه السلام ، فيجعلهم ضيوفه ، ثم يأمر فتيانه أن يملأوا أوعيتهم بالقمح ويزيدوهم في الكيل ، ويطلب منهم أن يأتوا بأخيهم في المرة القادمة فيَثبُت صدقُهم ، فإن لم يفعلوا فليسوا صادقين في ذلك ، وسيمنعهم من دخول مصر ويأبى أن يَميرهم ....


2- قد يظن أحدهم أن أبناء يعقوب هم الأنبياء من الأسباط ، وهذا وهمٌ تـُسقطه القرائن ، بل الأنبياء من أحفاد أبنائهم ، إن النبي قدوة ، وهؤلاء ليسوا قدوة ، وخطؤهم كثير وكبير استمر معهم حتى صاروا كهولاً وهم حتى اللحظة الأخيرة يسيؤون إلى أخيهم يوسف ، ومن أساء إلى أخيه فلا بد أن تكون إساءاته للناس متواترة . " إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل " ويقول يوسف في نفسه متألماً " أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون " كما أننا نجد عدم احترامهم لأبيهم - وأبناؤهم مثلهم - فيلومونه لوماً أقرب إلى التوبيخ حين يخبرهم أنه يجد ريح يوسف " تالله إنك لفي ضلالك القديم " وهم يعترفون أمام يوسف بخطئهم اعتراف المحاط بهم حين يكشف لهم عن نفسه " تالله لقد آثرك الله علينا ، وإن كنا لخاطئين " ويسألون أباهم أن يعفو عنهم ويستغفر لهم " قالوا : يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا ، إنا كنا خاطئين " وهل يصبحون أنبياء حين يهرمون ويعجزون وهم الخاطئون ؟ ، وكلمة " الخاطئ " التي تكررت في سورة يوسف تعني : الخطأ العمد الذي يصر صاحبه عليه .

3- الاستعطاف طريقة تربوية قد توصل للهدف على شرط أن يُقصد به الرجل الشهم المحسن . أما استعطاف اللئيم فذلٌ وخنوع يأباهما المسلم .

نرى ذلك حين رغبوا في سبيل استنقاذ أخيهم أن يتبرع أحدهم أن يُسترَقّ مكانه ، فأبى يوسف عليه السلام ، فلا عقوبة إلا لمن يستحق العقوبة ، والقاعدة الشرعية تؤكد " ولا تزر

وازرة وزر أخرى " وأعلن هذا قائلاً " معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده "

4- يبدو أن الرجولة والخبرة في الحياة وتحمل المسؤولية زمناً طويلاً والعهودَ والمواثيق ،

والخوف من الوقوع في الخطأ مرة أخرى تخفف من غلواء الفساد ،

فهذا كبيرهم ( وقد يكون أكبرَهم عمراً أو مكانة ) يشعر بعظم المسؤولية . فلما خلصوا يتناجون ويقلبون الأمور لم يستحسن العودة إلى فلسطين خوفاً وخجلاً من لقاء أبيه حين يعود دون بنيامين ، ومن قبل فرّط في الحفاظ على يوسف وجارى إخوته في التخلص منه " قال كبيرهم : ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله ، ومن قبل ما فرطتم في يوسف " لقد طفح الكيل ، وما عاد يحتمل ، فقرر أن يظل في مصر قرب أخيه بنيامين حتى يأذن له أبوه أو يأتي الفرج من الله : " فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين " وهذا دليل على انفراط عِقد العُصبة ثمّ إنه قال : حتى يحكم الله لي . ولم يقل لنا

ووثـَق الإخوة الذين ذهبوا أمرهم بالاستشهاد بالقافلة التي كانت معهم ، وبسؤال أهل مصر الذين شهدوا الحادثة ،

5- الأمل بالله والوثوق به سمة المسلم إن قلب الأب كان مكلوماً فلم يصدقهم ، وكرر قوله السابق " بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ."

فقد بـَعُد ثلاثة من أولاده عنه :

أما أولهم : فيوسف الذي غاب عنه عقوداً وهو لا يعلم عنه شيئاً ، الولد الغائب الذي لا يدري أبوه أحي هو أم ميت ، أين يقيم ، وكيف يحيا غيبته أشد من غيبة غيره إلا أن يعقوب عليه السلام كان يعلم أن ابنه حي بسبب الرؤيا التي رآها يوسف ، وهو ينتظر تحقيقها ، فيجتمعُ به .

وأما ثانيهم : فبنيامين الذي يقبع في أسر عزيز مصر ، يعرف أبوه مكانه إلا أنه لا يستطيع القدوم ، وأمره صعب لكنه أقل صعوبة من حال يوسف الغائب الذي لا يعلم عنه شيئاً .

وأما ثالثهم : فالكبير المنفي طوعاً ، لا يجرؤ على العودة ولقاء أبيه

إنها لمصيبة كبيرة علاجها اللجوء إلى الله تعالى والصبر عليها . " فصبر جميل ... "

إلا أن المصيبة تصغر حين تكبر ، وتضعف حين تشتد ، فقال ، وثقته بالله ثابتة : عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً ، إنه هو العليم الحكيم " وقال معلماً أبناءه اللجوء إلى الله في كل شيء " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، وأعلم من الله ما لا تعلمون " ويدفعهم إلى طرح اليأس والتشمير عن ساعد الجد والبحث في مصر نفسها ، فهناك الأخوان الغائبان يوسف وبنيامين يقيمان ، وقد دنت ساعة الفرج أما الكبير فقد عاد بعد أن أذن له أبوه بالعودة " يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله " بل إنه ليجد ريح يوسف حين خرج أخوه بقميصه إلى الأب الحزين .

6- العفو سبيل الصالحين حين يقبل على يوسف إخوتـُه للمرة الثالثة ، قد مسهم الضر من تضعضعٍ في العيش الأسْري ، وفقر واضح ، وانكسار بيّن " فلما دخلوا عليه قالوا : يا أيها العزيز ؛ مسنا واهلَنا الضر ، وجئنا ببضاعة مزجاة ، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا ، إن الله يجزي المتصدقين " ويرى يوسف أنهم تعلموا الدرس يكلمهم بالعبرية – لغتهم – مؤنباً " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ؟ " وأرى كلمة " إذ أنتم " غيرَ قوله تعالى " إذ كنتم " فالثانية للماضي ، والأولى للماضي والحاضر . فما تزالون تخطئون ولا ترعوون .... ويذكر سبيل الإحسان ... إنها التقوى والصبر " إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين "

وحين يطلبون الصفح يصفح عنهم دون لوم ولا عتاب . بل يدعو لهم بالخير ، وهذه قمة العفو والتسامح ، وهذا دأب الصالحين " لا تثريب عليكم اليوم ، يغفر الله لكم ، وهو أرحم الراحمين " وكذلك يفعل الأب حين يستغفر اللهَ لهم ، ويعفو عنهم .

بل إن يوسف عليه السلام يبلغ القمة في الصفح والغفران حين يتناسى ما فعله إخوته به حين ألقوه في الجب ، ولا يذكرُه كي لا يشعروا بالحرج ، ولا يذكر إلا كربته في السجن ، ويعزو إلى الشيطان وحده ما كان بينه وبين إخوته " ... وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن ، وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ."

7- التواضع والتذلل إلى الله دأب الصالحين

- الله تعالى أحسن به إذ أخرجه من السجن ، وجاء بأهله من البدو.

- الله سبحانه مَن آتاه الملك ، وعلمه من تأويل الأحاديث .

- يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين .

- إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، وأعلم من الله ما لا تعلمون.

- عسى الله أن يأتيني بهم جميعا .

- وما أبرئ نفسي ،إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. إن ربي غفور رحيم.

- ذلك مما علمني ربي .

ولن يكون المُلـْكُ والعلم للصالحين سبيلَ عظمة وتكبر ، إنما هو سبيل إلى التواضع

والشكرِ للمنعم المتفضل . بل يدفع صاحبه أن يسأل الله تعالى أن يجعل ذلك مقدمة للجنة

وبشرى الرضا في الآخرة " رب قد آتيتني من الملك ، وعلمتني من تأويل الأحاديث

فاطرَ السموات والأرض ؛ أنت وليي في الدنيا والآخرة . توفني مسلماً ، وألحقني

بالصالحين . "

ونحن معشر المسلمين نتعلم من يوسف عليه السلام أن الدنيا دار اختبار وأن الآخرة دار

قرار ، اللهم توفنا مسلمين ، وألحقنا بالصالحين ....








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ام عبدالله
عضو متميز
عضو متميز



العمر : 24
سجّل في : 15 فبراير 2008
عدد المساهمات : 260

مُساهمةموضوع: رد: تأملات تربوية في سورة يوسف   الأربعاء يونيو 25, 2008 12:33 am



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
امين يحي
عضو متميز
عضو متميز



العمر : 27
سجّل في : 08 ديسمبر 2007
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: رد: تأملات تربوية في سورة يوسف   الأحد يوليو 27, 2008 4:09 am

بارك الله في حضرتك علي هذا الموضوع المتميزوبارك الله لنا في القرءان العظيم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تأملات تربوية في سورة يوسف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: المنتديات الإســــلامـــيـة :: القران الكريم-
ارسل الموضوع الجديد   رد على الموضوع